محمد رأفت سعيد

77

تاريخ نزول القرآن الكريم

الأداة التي يتم بها تقيد العلم فيجتمع للإنسان فضلان عظيمان ؛ فضل القراءة وبها يحصل العلم ، وفضل تقييد العلم بالكتابة ، ولذلك شبه الكلام بالريح الذي لا تبقى وقيده بالكتابة ، وشبه العلم بالصياد الذي يصيد العلوم ، والبدء بمبدإ الكتابة مع القراءة سبيلا للعلم النافع في بداية نزول القرآن الكريم نقل للعرب خاصة ، وللعالمين عامة من أمية متفشية ، ومن جهالة مطبقة ، ومن ضلال مبين ، ومن ظلمات إلى حالة التعلم والتعليم ، وإلى الحلم ونور المعرفة ، وإلى الهدى والرشاد ، إلى النور والوضوح والطريق المستقيم ، فالعرب كانوا أميين ، وكان عدد الذين يقرءون ويكتبون في جزيرة العرب ضئيلا جدا ، وكانت الجهالة عامة فيهم ، وأما بقية العالمين فكانت تعيش ما يسمى بعصر الظلمات في جوانب حياتها كلها . ولذلك وجدنا عناية الإسلام من اللحظة الأولى بنقل الإنسان إلى نور العلم وسبيل ذلك القراءة وكذلك الكتابة ، وإذا اجتهد الإنسان وسلك سبيل العلم بالقراءة والكتابة باسم ربه وامتثالا لأمره وجد المزيد من توفيق الله له فعلمه ما لم يكن يعلم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 282 ] ، فمن علم بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم . هذه هي الآيات الأولى التي عطرت الدنيا ، فكانت أول ما نزل من وحى ربنا من فضله وكرمه ومنته على العالمين ، ورأينا كيف اجتمع فيها من المبادئ ما يمكن أن نقول : إنها المفاتيح لهذه الأمة لتبدأ مكانتها ، ولتنقل إلى الرشد والهدى ، إن هذه الآيات الكريمات ذكرت الناس بربهم ليستجيبوا ، وليمسكوا بمفتاح فلاحهم ، وليقرءوا ما أنزل إليهم من ربهم ، وما ينفعهم في حياتهم ، وليكتبوا ما تعلموه حتى يفيد منه أبناؤهم ، وحتى يتمكنوا من تبادل معلوماتهم . بهذا أمرهم من خلقهم من علق ، ومن نقلهم إلى هذا الشرف العلمي ، ومن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا ، ومنحهم العيون التي يقرءون بها ، والآذان التي يسمعون بها ، والشفاه التي يتكلمون بها ، والبيان الذي ينطقون به ، والأيدي التي يكتبون بها ، فإذا استجابوا منحهم المزيد من علمه . إنها ربطت المخلوقين بربهم ، ووضعتهم على سبيل رشادهم ، ونلاحظ مع هذه الآيات الكريمة أنها بدأت بأمر « اقرأ » ولكنه أمر ممتزج ببيان ما يتيسر تنفيذه ، وما يرشد استعماله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : 1 ] وتلا ذلك الإخبار والتذكر والنظر المتدبر ، فأخبرت الآيات عن أن الله سبحانه خلق ، وخلق الإنسان من علق ؛ ليتأمل السامع والقارئ ذلك وتكون هذه من الأسس والقواعد التي تفصل بعد ذلك في كتاب الله تعالى ؛ لتشتمل